سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

28

رسائل في الفلسفة والعرفان

حيث « أن الحق مبدأ الكل ومعاده ، وإليه يرجع كله والىاللَّه عاقبة الأمور ، ولا بد أن يكون الكل فيه قبل كونه ، ولا بد أن يكون في الكل هو « ولكن من غير حلول ولا اتحاد » لأن الاتحاد يحصل من الوجودين ، وكذا الحلول والصيرورة ، وأن لا وجود إلا وجود واحد » . وأن آيات الكون كلها مندرجة في النفس الإنسانية على نفس المنوال الذي وصفت به سورة الفاتحة « فمن عرف نفسه فقد عرف ربه وعرف جميع الأشياء » . وهذا تأصيل لعلوم العرفان وفلسفته . أما رسالة الواردات فهي رسالة أوسع بعض الشئ ، وتأخذ بتفصيل العقيدة والبحث في الوجود بتأسيس النظر إلى وجوده سبحانه وتعالى وصفاته ، ثم صلته بخلقه ، وبعثه للأنبياء ، وطريق الوصول إليه سبحانه . وتتضمن الرسالة إعادة النظر في التعريفات الدارجة لمصطلحات علم الكلام ، من ذلك رفضها لتعريف الممكن بأنه « ما يحتاج إلى غيره في الوجود » وتعريفه بأنه « المقيد » وأن « كل مقيد فهو محتاج إلى المطلق والقيد ، فهو معدوم في ذاته ، فلا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح ، والمطلق الذي لاقيد فيه بوجه من الوجوه ليس بممكن ، إذ لا يفتقر إلى موجد ، وإلا لكان قيدا له ، فكل مقيد ممكن ، وكل ممكن مقيد ، ولاشىء من المطلق الحقيقي بممكن » . وهذا واحد من الاستدلالات اللطيفة والمجددة . ثم يأخذ بمباحث القصد منها تنزيه الذات الإلهية عن كل شرك ، من حلول واتحاد ، واظهار أن لا وجود حقيقي إلا وجود واحد منزه عن كل قيد . ومن جملة التنزيه ، القول بأن العلم الإلهي هو عين الذات ، و « هو علم بجميع شؤونه وأطواره ، وأن جميع ما تشرف بالبروز فإنما هو على ما في العلم ، ولكن لضيق الخارج عن أن يسع المراتب غير المتناهية . حصل الترتيب في تلك التجليّات » . وأن ارادته هي عين فعله ، وأن فعله منزّه عن الغرض . وأن العالم خلق وفق مراتب تتخللها حركة دائمة و « العالم في الترقي على حسب تقادمه في الوجود » . وأن متطلبات الكمال الانساني هي العلة في ارسال الرسل ، لأن الرسول هو « الرجل الكامل » . وأن النفس الانسانية تخلد وتتحمل في العالم الآخر عاقبة أفعالها ، وأما أفعال العبد في الدنيا « فاللَّه الفاعل من حيث العبد فاعل ، والعبد فاعل من حيث الرّب فاعل ،